السيد محمد باقر الصدر

507

بحوث في علم الأصول

2 - الاحتمال الثاني : هو أن يكون المراد من عدم نصب قرينة متصلة هو ، الإتيان بكلام دالّ بالفعل على نفي الحكم عن غير المقيد ، وحينئذ ، بناء على هذا ، لو فرض أن جاء مطلقان متعارضان بنحو العموم من وجه ، كما في مثالنا المتقدم - « أكرم العلماء ولا تكرم الفاسق » - فالمقدمة الثانية من مقدمات الحكمة محفوظة ، بناء على هذا التفسير ، لأنّ كلّا من المطلقين لا يدلّ بالفعل على نفي الحكم عن غير المقيّد في الآخر ، وعليه : فالمقتضي في كلّ منهما موجود ، وحينئذ ، يكون التعارض بين الإطلاقين ، من باب تزاحم المقتضيين ، ويصير حالهما حينئذ حال ظهورين عموميين وضعيين إذا تعارضا . وبناء على هذا التفسير والاحتمال ، لو ورد مطلق وعام ، مثل : « أكرم العالم ، ولا تكرم أيّ فاسق » ، فهنا مقدمات الحكمة تنهدم في « أكرم العالم » ، لأنّ مقدمات الحكمة فيه متوقفة على أن لا يأتي المتكلم ببيان يكون دالّا بالفعل على عدم وجوب إكرام الفاسق من العلماء ، والمفروض أنّ العام الوضعي هنا « لا تكرم أيّ فاسق » ، دالّ بالفعل على عدم وجوب إكرام الفاسق من العلماء ، لأنّ دلالته وضعيّة تنجيزيّة ، فيكون العام الوضعي رافعا لمقدمات الحكمة في المطلق ، وحينئذ ، لا ينعقد الإطلاق أصلا ، وهذا معنى ما يقولون : من حكومة العام على المطلق ، لأنّ ظهور العام تنجيزي ، وظهور المطلق تعليقي . 3 - الاحتمال الثالث : هو أن يكون المراد من عدم نصب قرينة متصلة ، هو أن لا ينصب المتكلم قرينة على القيد - لا أنّه لا يأتي ببيان يدلّ على عدم ثبوت الحكم لغير المقيّد - بحيث لو كان المطلق عاما أيضا لكان هذا صالحا لتقييده ، لأنّه قرينة على القيد ، وحينئذ ، لو ورد مطلق وعام وضعي في وقت واحد ، فقد تتم مقدمات الحكمة في المطلق ولا يكون هناك حينئذ حكومة للعام عليه ، لأنّ العام ليس قرينة على القيد ، لأنّ النسبة بينه وبين المطلق العموم من وجه ، ولذا لو كان المطلق عاما لما كان في أحدهما قرينة على الآخر ، نعم ، هو وإن دلّ على نتيجة التقييد ، لكن لسانه ليس لسان التقييد ،